©2018 by Helaly Writings

play the soundtrack -
00:00 / 00:00

الكتاب

العزاء

أنا أسمي أسامة الأخرس، عايش في القاهرة طول عمري، رغم ان أصل عيلتي من سوهاج بس الحقيقة أنا عمري ما رحت هناك أبداً. طول عمري مليش علاقة بحد قوي من عيلتي و عايش في حالي، يعني علاقتي يادوب بالمقربين منهم بس، علاقتي الحقيقية هي مع صحابي. خريج هندسة عمارة، بقبض كويس و مش مرتبط على فكرة، بس بعد الكلام اللي جاي أشك ان حد منكم يجوزني بنته. المهم من كام شهر كدا جالنا خبر إن في واحد من العيلة ربنا توفاه، و هو في الحقيقة كان كبير العيلة و بالرغم من إني عمري ما شفته بس سمعت كتير عنه و عن كرمه و عن إنه زي ما بيقولوا كدا ابن بلد، من الناس اللي كل ما يبقى في مناسبة لازم أسمع أسمه، صاحب واجب من الآخر. المهم بسبب تعب والدي و عجزه عن السواقة أصريت أني أسافر معاه لهناك، علشان واجب العزاء و صلة الأرحام و كل الكلام الغريب اللي كان بابا بيقولهولي. 

وصلنا بالفعل لسوهاج و كان الصوان منصوب تقريباً في البلد كلها، الشوارع كلها قرآن شغال و مفيش حد بيعدي إلا لما بسمعه بيترحم عليه.كان جوايا شعور غريب قوي، فرحت و حسيت بالفخر ان ليا قريب البلد كلها بتحبه بالشكل دا، و زاد فخري أكتر لما لقيت ناس كتير بتقربلي و يسألوني اذا كنت حفيده علشان أنا فيا شبه كبير قوي منه. زي ما تقول كدا عجبني الجو العام جداً رغم أنه المفروض أنه عزاء، و المفروض أصلاً إني معرفش هو مين أصلاً معرفش عنه غير أسمه و ملامح سيرة. مش هطول عليكم، دخلنا السرايا بتاعته هناك، و كانت عبارة عن مبنى كبير جداً و فخم و عبارة عن ثلاث أدوار، مساحة الدور لا تقل عن ٣٠٠ متر، بحكم أني مهندس معماري طبيعة عيني بتشدها الكلام دا، مع تفاصيل صغيرة زي الزوايا بتاعت الحيطان و العمدان و النقوش، بحب اتفرج على الكلام دا، و واضح ان اللي بنا السرايا كان بيحب العمارة و الديكور، المكان كله في نقوش تاخدك للزمن العثماني. لون طوبي مدهون بيه المكان كله و في في الأركان كلها أضاءة صفرا من الأباليك، و من السقف نازلة نجفة كبيرة واخدة التلات أدوار. 

- لأ فعلاً اللي عمل المكان دا عبقري

قلتها و أكتشفت ان صوتي كان عالي و مسموع، بس فعلاً تقريباً كانت أول مرة أشوف دمج للتراث العثماني مع التراث الصعيدي بالشكل دا.

طبعاً زي ما حضرتكم أكيد عارفين في الأماكن اللي زي دي بيكون البيت مفتوح للناس كلها و بيكون دايماً في ضيافة على أعلى مستوى لكل الناس، بس خليني أنقل الصورة كاملة، سامحوني أنا تفاصيلي كتير بس حقيقي أنا مش عارف فين النقط اللي ممكن تفيدكم و فين لأ فقلت أحكي و نشوف الموضوع هيحصل فيه أيه.

الصورة كالآتي، بهو كبير مقسوم نصين نص مليان رجالة و نص مليان سيدات، كل السيدات لابسين أسود كالعادة و الرجالة قاعدين أغلبهم بالجلاليب بأستثنائي أنا لابس جينز أزرق و تيشيرت أبيض، عارف أنه لا يتناسب مع المكان قوي، بس مش بستريح غير في دا. صواني الشاي بتلف على الجميع، الكوباية اللي تفضى في ثواني يكون في مكانها واحدة مليانة، و من بعيد في سفرة كبيرة مليانة بالأكل و الكل بيعزم عليك أنك تاكل، و الأكل عمره ما بيخلص.

كان كل شوية حد يقرب من والدي و يعرفه بنفسه و يتكلموا شوية، و طبعاً لا يخلوا الكلام من (أبني البشمهندس أسامة، مسميه على أسم المرحوم) و طبعاً دا كدب علشان اللي سماني جدي أبو أمي، بس كلمتين لزوم المنظرة، و طبعاً برضه لازم (عاوزين نجوزه بقى) أو (تيجي بقى تبنيلنا عمارة)، و دايماً ردي بيكون ابتسامة صفرا معاها (ان شاء الله طبعاً).

بعد شوية والدي قام يدخل الحمام و أنا كالمعتاد قاعد بلعب على الموبيل، ثواني لقيت راجل شكله لا يقل عن ٨٠ سنة جاي بيقولي أستاذ أسامة، حمد لله على سلامتك يا ابني، دا أنا مستنيك من زمن.

شكله لابس جلابية شيك جداً و عمامة بيضا، ساند على عصاية شكلها فخم شوية، بس وشه فعلاً كأنه معدي ال٨٠. الحقيقة مفهمتش كلامه و فضلت متنحله كدا شوية، بحاول أفتكر هل مثلاً كان بيزورنا زمان و أنا ناسي شكله؟ طبيعي ان دا يكون حاصل، بس مخي مش فاكره خالص. المهم سلمت عليه بنفس العشم اللي كان بيتكلم بيه، راجل قد أبويا مش عاوز أكسفه، لأ أبويا أيه دا راجل قد جد جدي تقريباً.

- ياااه، ازي حضرتك، واحشنا والله

بصلي و قالي

- بس أنت متعرفنيش ولا عمرك شفتني، أنا بس اللي عارفك.

قلت في سري أه يا أبن الـ، حسيت ساعتها إني ممكن أنسى فرق السن عادي جداً و أزعله، يعني أنا محبتش أحرجك، يكون دا ردك عليا؟ بس قلت بلاش، إحنا برضه في عزاء.

- طيب أنت تعرفني منين يا حج؟

- أنا يا أستاذ أسامة معرفكش أصلاً، أو يعني معرفكش شخصياً، بس أنت ليك أمانة عندي، أمانة سايبهالك أبويا الحج أسامة الله يرحمه. 

أنا استغربت جداً، يعني ايه سايبلي أمانة، هو عارفني منين أصلاً و أيه اللي قاله إني هاجي، البيت فيه ما لا يقل عن ٢٠٠ شخص و أصلاً اللي عارفني كويس يعرف ان في ظروف تانية عمري ما كان ممكن أروح المكان دا. بعدين دا بيقول أبويا الحج أسامة، يعني المرحوم كان أكبر منه؟ ليه هو مات كام سنة دا، كل دي كانت زفكار سريعة في دماغي، أدركت اني ساكت بقالي دقائق فرديت عليه.

- أكيد حضرتك فاكرني حد تاني يا حج.

رديت و أنا مبتسم و بحاول أني أتخطى الموقف اللي بدأ يبقى تقيل عليا. 

- لأ انا مش غلطان يا أستاذ أسامة، ولا تحب أقولك أستاذ أسامة سعيد الأخرس علشان تعرف اني قاصدك انت.

- ……

- منغير ما ترد ولا تسئل علشان مفيش وقت، أبويا الحج أسامة الله يرحمه قالي قبل ما يموت بيجي كام شهر انك هتيجي لحد هنا، و ان ليك عندي أمانة لازم أديهالك، قوم معايا…

 

مفكرتش كتير، بصراحة كان عندي فضول رهيب إني أعرف، خير، أيه هي الأمانة دي اللي الراجل دا بيحاول يلبسهالي، ولا هو مقلب أصلاً ولا أيه، قمت معاه منغير ما أفكر كتير.مش عارف بقى كنت مسحور ولا دا فضول و لا أيه، بس كنت عامل زي اللي ماشي ورا النداهة. اللي حصل إننا دخلنا غرفة الحج أسامة و دي كانت كبيرة جداً، تقريباً قد البهو اللي كنا قاعدين فيه، يعني حولي نص مساحة السرايا. بمجرد ما تدخل الجناح انت كأنك فعلياً رحت فترة زمنية مختلفة، مفيش كهربا كله بالشمع و مع ذلك المكان منور كويس. لما دخلت لاحظت إن الحيطان تقريباً كلها متعلق عليها صور آيات قرآنية، كتير قوي و في كل حتة و كل ركن في المكان، دا غير النقوش اللي مرسومة بعناية على كل السقف. كمان كان في كم رهيب من المصاحف برضه في كل حتة. عارف لما تكون عندك حاجة مهمة فا بتخبيها تحت المصحف؟ أو و أنت صغير لما كنت بتخاف فا بتحط مصحف تحت المخدة؟ أهو أنا حسيت أن كم الآيات و المصاحف دا كان نوع من أنواع الحراسة و الآمان، كأنه كان خايف حاجة تدخل…

أو تخرج...

فجأة و أنا بتأمل في المكان و سرحان بخيالاتي لقيت الراجل دا واقف في وشي و بيبصلي قوي و بيقولي مش يلا بقى؟ المهم مشيت وراه لحد ركن معين في الغرفة فيه سجادة حوالي متر في متر عليها نقوش إسلامية، مش كلمات طبعاً علشان هي سجادة أو (مداس)، بس نقوش من التراث الإسلامي أو العثماني. الحاج اللي معايا و اللي أنا لحد دلوقتي مسألتوش عن اسمه بدأ يرفع السجادة و يبعدها عن المكان

- عمران، اسمي عمران يا أستاذ أسامة.

في اللحظة دي أنا أترعبت، طيب الحج الله يرحمه اللي أنا أصلاً معرفوش سايبلي أمانة ماشي، هقول انه يعرف والدي مثلاً أو إن أصلاً الراجل دا كان بيكدب، الراجل عرف أسمي هقول أنه سمع حد بيندهلي أو حاجة، بس عرف منين اني بفكر في أسمه؟

- متتعبش نفسك يا أستاذ أسامة، هنا مفيش مستور… و بالمناسبة، أنا مش بكذب، أمانتك تحت، انت الوحيد اللي مسموح له يلمسها.

قالها و مد أيده رفع لوح خشب كان متغطي بالسجادة دون أن ينتظر مني رد، و ظهرت فجوة كدا في الأرض، قربت و بصيت لقيت سلم، أه سلم. واضح إن المكان ليه بدروم بس مكانش واضح من برا.

المهم الحاج عمران لقيته بدأ ينزل السلم و هو ماسك شمعة في أيده، مش هتكلم خالص على ايه اللي ممكن يخليني أمشي ورا راجل معرفوش و انزل معاه بدروم، فعلاً مخي كان مسير مش مخير خال، كأن مغناطيس شاددني. كنت مستغرب ان راجل في سنه عنده القدرة الجسدية انه يتحرك كدا و يشيل و يطلع و ينزل. 

بدئنا ننزل السلم، و ساعتها فعلاً حسيت قد أيه أنا غبي، ولا قلت لحد اني نازل و لا رايح حتة، يعني لو قتلني هنا محدش هيعرف حاجة. بعد عدد من السلالم وقف عمران و حط الشمعة على رف معين، و فعلياً إنبهرت. لقيت نفسي في مكان كبير و واسع جداً بس فاضي تماماً، كانت مساحته تقريباً قد مساحة الدور كله يعني مساحة رهيبة. الشمعة لما اتحطت في مكانها كان واضح كدا ان في مرايات مرصوصة و متعلقة بشكل معين نور المكان أغلبه، ماعادا المنتصف، دا كان في شعاع واحد مسلط عليه في نص المكان بالظبط كان مكتب فخم قوي شكله قديم أو أثري، خشب و فيه دهب و نقوش، شكله كان فعلاً كأنه مملوك لحد من الملوك القدامى. على المكتب كان في قطعة خيش ملفوف بيها حاجة مش عارف أيه هي.

- هي دي أمانتك يا أستاذ أسامة، للأسف أنا مقدرش أفتحها، ممنوع أصلاً ألمسها. انت بس اللي مسموح لك تقرب من المكتب و تفتح اللي في اللفة دي.

مسكت الخيشة و كان عليها كتابات متادخلة و رسم للنجمة الخماسية و هلال و كلمات و حروف منتشرة في الخيشة كلها.

- و يعني هي اللفة عارفة مين اللي هيفتحها؟ ما توحد الله يا حج عمران أمال.

قلتها و أنا بضحك جداً و حاسس بأنه مقلب من مقالب رامز جلال مثلاً ولا حاجة، و شكل الحج اللي معايا ده خلاني مش قادر أمسك نفسي من الضحك. بس هو فضل متنح لي قوي، و طلب مني أفتح اللفة و أشوف اللي جواها.

- لما تقرا و تشوف، أكيد رأيك هيتغير.

قالها و ملحقتش أبصله، يادوب فكيتها و بصيت على اللي جواها لقيته كتاب شكله قديم يمكن أكبر من الحج عمران نفسه، مكتوب عليه بماء الذهب ”الملكوت “ 

- أيه دا يا حج عمران؟

ببص ناحيته لقيته مش موجود، فص ملح و داب. مستحيل يكون لحق يتحرك، دا راجل فوق ال٨٠ و السلم بعيد أكيد لو اتحرك كنت شفته. مفيش لحظات و بدأ النور يترعش جامد، خفت جداً، قلبي وقع في رجلي و مفكرتش، كل اللي عملته اني اخدت اللفة و جريت ناحية السلم و خرجت من البدروم.

خرجت من غرفة الحج أسامة و  أنا دماغي بتلف، فين عمران دا؟ إختفى أذاي كدا. ملحقتش اكمل لقيت أبويا في وشي.

- أيه يا أسامة اختفيت فين

- معلش بس كنت بشوف حمام تاني.

مكانش عندي أي رد منطقي غير دا، وفعلاً مش عارف أقوله انا كنت فين.

بدأ والدي يشرحلي بأيده كأنها لغة الإشارة

- عاوز أعرفك على حد يا أسامة، دا عمك الحج عمران. هو مش بيتكلم، بس بيعرف يشاور، عمك عمران دا اللي مربيني و أنا صغير…

بصيت و كان هو، هو عمران اللي كان مش بس بيكلمني، دا بيسمع أفكاري. هو عمران اللي نزلني البدروم، هو الـ…. و وقعت من طولي….